شمروش 4 الدم والنور


 في مدينة القاهرة وفي أحد الأحياء القديمة جلس الشيخ محمد أمام نافذته الضيقة بينما كانت يداه المتجعدتان تمسكان بدفتر متهالك يمتلئ بالحبر القديم والعلامات التي لا يفهمها إلا القليلون كان الشيخ محمد قد قضى حياته باحثًا في التراث الروحي وعلوم الرؤى وتفسير الظواهر الغريبة ولكن ما حدث له في الأيام الأخيرة فاق كل ما مر عليه رأى في المنام شابًا يقف في دائرة من نور وبجانبه رجل ملتحٍ يقرأ عليه من القرآن وكان الصوت يتردد في قلبه لا في أذنه هو من يحمل العلامة فاتبعه بالنور وكرر الحلم نفسه أكثر من مرة وفي كل مرة يتضح وجه الشاب أكثر حتى حفظ ملامحه كاملة وذات ليلة وبينما كان يشاهد مقاطع يوتيوب عن الرؤى الغريبة والأحداث ما وراء الطبيعة ظهر له مقطع لرجل سعودي يتحدث بإيمان وثقة عن حقيقة الجن وتاريخهم وأنه لا سلطان لهم على المؤمنين وكان هذا الرجل هو الشيخ عبدالله هنا انتفض قلب الشيخ محمد لأنه رأى وجه هذا الشيخ في الرؤيا نفسها فدون تردد التقط هاتفه وسجّل رسالة صوتية للشيخ عبدالله قائلاً السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا أخوك محمد من مصر جاني رؤيا تكررت علي ثلاث مرات فيها شاب سعودي ووجهك أنت بالتحديد وأنا أبحث عن تفسيرها وشعرت أني لازم أوصلها لك وصلت الرسالة للشيخ عبدالله الذي لم يستهتر بها بل أخذها على محمل الجد وبعد سلسلة من الرسائل الصوتية والمكالمات كشف له الشيخ محمد كل تفاصيل الرؤيا وكان مندهشًا حين أخبره عبدالله أن هناك شابًا يدعى سامي يرافقه منذ شهور في رحلته لمعرفة سر خاتم أسود غامض ومن هنا بدأت تتضح الخيوط فجأة علم الشيخ محمد أن هذا الخاتم له وجهان أحدهما يستخدمه شمروش لفتح بوابة عالمه والآخر خُلق ليُغلق تلك البوابة إلى الأبد بقوة نورانية لا تتفعّل إلا بإيمان قوي ودم يحمل علامة خاصة كان سامي هو صاحب هذا الدم لكنه لا يعلم بعد مرت الأيام وسامي يزداد اضطرابًا فقد صار الخاتم يؤثر عليه بشدة أصبحت الأحداث الغريبة تحيط به ظلال تمر في طرف عينه ثم تختفي أصوات تناديه في نومه وجسده يزداد قوة بشكل غير منطقي رفع سيارة عن طفل في حادث سير وكأنها قطعة خشب خفيفة بدأ يشك في نفسه وفي سلامة عقله حتى التقى مجددًا بالشيخ عبدالله ليحكي له كل ما يحدث فابتسم الشيخ وقال ما تمر به هو نتيجة اقترابك من نقطة التحول يا سامي يجب أن تؤمن تمامًا أنه لا قوة أعظم من الله وأن ما يحدث لك اختبار عظيم إن ثبتت قدمك فيه كنت من الذين يغلقون الشر ذاته هنا بدأ الشيخ عبدالله يعلمه دروسًا يومية عن الإيمان الحقيقي كيف يتعامل مع الوسوسة كيف يحصّن نفسه كيف يفصل بين الهواجس ونداء القلب الصادق وفي كل مرة يتماسك سامي أكثر بدأ ينام بهدوء ويقرأ الأذكار في وقتها ويفكر بالله لا بالخاتم تغيرت ملامحه حتى في عين أمه باتت تقول له ما شاء الله كأنك نور يا ولدي وفي تلك اللحظة قرر الشيخ عبدالله وسامي السفر إلى القاهرة للقاء الشيخ محمد والتعمق في أصل الخاتم وبوابته ففي أوراق الشيخ محمد القديمة وجدوا ما يربط الخاتم بمعبد فرعوني قديم في صعيد مصر بين جبال موحشة حيث أجرى الكهنة القدماء طقوسًا غريبة جعلت المكان بوابة أولى لدخول قوى شمروش للعالم الأرضي انطلق الثلاثة الشيخ عبدالله والشيخ محمد وسامي في رحلة طويلة إلى الجنوب وقبل وصولهم بثلاثة أيام بدأت الكوابيس من جديد لكن سامي كان يواجهها بالآذان والدعاء ولم يتراجع حتى دخلوا المعبد 

وأخيرًا، وقفوا أمام المعبد. نقوش فرعونية تملأ الجدران، وأرضية غطاها الغبار والرماد. المكان مشبع بطاقة غريبة، وكأن الهواء نفسه يحمل أنفاس الأرواح القديمة.

دخلوا ببطء، تتقدمهم دعوات الشيخ عبدالله بصوت مرتفع، يتلو آيات من القرآن. الأرض تهتز تحت أقدامهم، وكأنها تتنفس، والجدران تهمس بلغة لا يفهمها أحد. في عمق المعبد، كان هناك هيكل حجري مغطى بالنقوش، وفي وسطه فجوة مستديرة تتوهج بخفوت، كأنها تنتظر شيئًا.

قال الشيخ محمد هنا بالضبط كانت بداية الطقوس القديمة، وهنا ستنتهي إن شاء الله

سامي اقترب بحذر، وكل خطوة كانت تثقل أكثر من التي قبلها. شعر أن جسده يرفض التقدم، لكن قلبه يقوده بثبات. رفع يده نحو الخاتم، الذي بدأ يصدر طنينًا خافتًا، كأن بداخله أرواح تتحرك.

فجأة، ارتج المكان كله، خرجت من الجدران أشكال دخانية، ملامح وجوه مشوهة، تصرخ دون صوت، وتدور حولهم كدوامات رمادية.

قال الشيخ عبدالله وهو يرفع صوته بالآذان الله أكبر، الله أكبر

الصوت شق الهواء، فتباعدت الظلال قليلًا، لكنها لم تختفِ.

سامي رفع يده التي ينزف منها الدم، وقطرة دم سقطت داخل الفجوة الحجرية، فاشتعل نور أحمر داكن من الأرض حتى السقف.

فجأة، تشكلت أمامهم هيئة ضخمة من الدخان، عيونها كالجمر، تنظر مباشرة إلى سامي.

قالت بصوت مزلزل لم يكن لك أن تصل إلى هنا

لكن سامي لم يتراجع، بل قال بصوت قوي بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم

الخاتم اشتعل نورًا، وأصبح كالجمرة في يده. سامي رفعه عاليًا، وبدأ يتلو سورة الصافات بصوت متماسك، رغم أن الأرض حوله تتشقق، والسقف ينفجر منه الغبار، والجدران تبكي دمًا.

عند الآية: {وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ}، ارتفعت صرخة مدوية من الكيان الدخاني، وبدأ يتلاشى في الهواء، وهو يصرخ لن يكون هذا آخر لقاء

ثم انفجر نور شديد من الخاتم، اخترق الجدران، وأصاب العين المحفورة في الجدار المقابل. اهتز المعبد كله، وانبعث منه صراخ الأرواح ثم هدأ فجأة، وساد الصمت.

سقط سامي مغشيًا عليه، وجسده يغمره وهج خفيف. اقترب منه الشيخان، وجلسا بجانبه.

فتح سامي عينيه ببطء، وقال بصوت خافت: "أغلقته... الباب أغلق.

رد الشيخ محمد وعيناه تدمعان تم الأمر، يا ولدي، وما أغلقته إلا بإيمانك.


وقال الشيخ عبدالله بل أصبحت أنت هو الباب بين عالمهم وعالمنا، ولكنك الآن باب مغلق، بإذن الله

عادوا إلى الرياض، وسامي تغير. صار هادئًا، مطمئنًا، يُكثر من الذكر، يُصلّي بخشوع، يبتسم بثقة. وفي أحد الأيام، كان يسير مع الشيخ عبدالله بعد صلاة الفجر، فمرّ رجل غريب بقربهم، نظر إلى سامي نظرة طويلة، ثم اختفى في الزحام.

قال الشيخ عبدالله من هذا

رد سامي ما أعرف، بس كأن عيونه فيها شيء مألوف.


وفي مشهد أخير، تُسمع كلمات الشيخ محمد في تسجيل قديم

سيعودون إن فُتح الباب مرة أخرى، لكن طالما أن الإيمان في القلوب، فلن تقوم لهم قائمة.

                        جميع الحقوق محفوظه 

                  asmoom123@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة