شمروش2 مرآة الأرواح
شمروش2 مرآة الأرواح
قصص عبدالله الشدادي عالم من الخيال
في ليلٍ سكنه الغموض والرهبة خرج حسن من قريته مكروهاً منبوذاً بعد أن ذاع صيته كابنٍ للساحر المعروف الذي بث الرعب بين الناس سنوات طوال. لم يكن حسن شريراً بطبعه، لكن طفولته المظلمة ونشأته في بيت يعج بالكتب الملعونة والأسرار المحرمة قادته إلى طريق الظلمات، رغم تحذيرات والده قبل موته، إذ أوصاه أن يحرق تلك الكتب ويتوب، لكن الشغف المحموم بالمعرفة المحرمة وسحر القوة جعله يغرق في عالم العتمة أكثر.
كان لقاؤه مع شمروش بداية النهاية، شيطان مارد قوي، الظهور بغير إنذار أو مقدمات، عقد معه حسن عهداً دون أن يعلم ثمنه كاملاً. ومرت السنين حتى تزوج حسن وأنجب، وكان يرى أن توبته قد تمّت حين ترك السحر وهجر الطقوس، لكنه لم يدرك أن العهد الذي عقده لا يُكسر بسهولة. شمروش عاد وانتقم، فقتل زوجة حسن وأبناءه، ولم يكتف بذلك، بل تركه محطماً مكسوراً. فقرر حسن مغادرة القرية نهائياً ليستقر في المدينة، وهناك التزم بالعبادة واعتكف في المسجد حتى وافته المنية ساجداً بعد عام واحد فقط من توبته.
بعد أسبوع من وفاته، أرسل والد وليد ابنه لفتح شقة حسن وتنظيفها وتجديدها بغرض تأجيرها. دخل وليد الشقة فوجدها ساكنة يعلوها الغبار، لكن بها شعور غريب، كأنها تحتفظ بأنفاس ساكنها السابق. وبينما كان يتنقل بين الغرف، عثر على دفتر قديم مخبأ خلف أحد الرفوف: مذكرات حسن. كانت بداية الحكاية.
قرأ وليد بشغف عن طفولة حسن وعن أبيه الساحر وتحذيراته قبل موته، وعن لقائه الأول مع شمروش، ومراحل التورط في السحر ثم توبته وانهياره بعد فقد أسرته. صُدم وليد بما قرأ، لم يكن يصدق أن عالم الجن والعهود حقيقي إلى هذا الحد. ومع توالي الليالي، بدأت أحلامه تتغير. بدأ يرى رجلاً غريب الملامح في المرآة، ثم سمع صوته، ثم بدأت الأبواب تُفتح وحدها وأصوات خافتة تهمس له. علم أنه تورط دون قصد.
ذات مساء، وبينما كان يقف في الحمام، تطاير زجاج المرآة، ثم تجمع من تلقاء نفسه ليظهر وجه شمروش لأول مرة. التقت أعينهما. شعر وليد برعب لم يشعر به من قبل، وأغمي عليه من شدة الصدمة. صحا في اليوم التالي مفزوعاً وقرر ترك الشقة، لكنه وجد أن المرآة تلاحقه. باتت تظهر في كل انعكاس: في زجاج السيارة، في برك الماء، حتى في عين طفل رآه في الشارع. بدأ وليد ينهار نفسياً وصحياً، كلما مرّ يوم ازدادت حالته سوءاً. فقرر العودة إلى القرية، لعل شيئاً هناك يفسر ما يحدث له.
ذهب ليسأل عن منزل حسن، فدله رجل كبير في السن على الطريق، محذراً إياه من دخوله. دخل وليد المنزل القديم في القرية. كان مهجوراً ومظلماً، لكنه وجد المرآة نفسها هناك، معلقة على الجدار في غرفة النوم. اقترب منها، فظهر له شمروش ثانية، بصوت ساخر قال له:
عدت تبحث عن الحقيقة لكنك ستدفع الثمن كما فعل من قبلك
ثم أغمي على وليد ثانية، ثم استفاق ليجد نفسه في الخارج، غارقاً في الطين مغشياً عليه.
بعد تلك الحادثة بدأت انتكاسة وليد الكاملة، فقد السيطرة على نفسه، وأصبح يرى كوابيس يومية، يعاني من هلوسات وارتباك، وبدأت تظهر عليه أعراض مس شيطاني. تواصل والده مع الشيخ عبدالله، وهو شيخ معروف بالعلم والقرآن، وكان قد رأى رؤيا متكررة لامرأة تقول له:
"أنقذ ابني من المرآة"
وظهرت له لوحة مكتوب عليها اسم حي في مدينة حائل.
بعد بحث وتتبع، علم أن المرآة التي ظهرت في حياة حسن ووليد هي مرآة ملعونة، ترتبط بلعنة شمروش. وعلم أن هناك امرأة تدعى هيلة تعرضت لنفس اللعنة. سافر إليها مع وليد والتقى بها، فكانت نحيلة، ذابلة العينين، شاحبة الوجه. حكَت قصتها منذ خمس سنوات، حين وجدت مرآة قديمة في أحد الأسواق الشعبية، وعندما علقتها في غرفتها، بدأت تراها تتحرك وحدها، حتى ظهر لها شمروش. بدأت تسمع صوته ويملي عليها أوامر وتهديدات. رأته يخرج من المرآة في أحلامها، ثم بدأت تفقد ذاكرتها وتتغير شخصيتها، وبدأت تنفر من الصلاة وتكره القرآن.
علم الشيخ عبدالله أن المرآة مرتبطة بها ارتباطاً سحرياً، وأن كسرها دون تحصين سيؤذيها. وبدأت مرحلة التحدي الحقيقي. طلب الشيخ عبدالله من سامي، أحد الشباب الذين تعرضوا سابقاً لهجوم شمروش ونجا بسبب قوة إيمانه، أن يرافقه للبحث عن المرآة والتصدي لها.
قبل المواجهة الأخيرة، وقعت حادثة غريبة: ظهر شمروش فجأة داخل بيت الشيخ عبدالله نفسه.
كان الشيخ في غرفته يقرأ كتاب الله، قبيل صلاة الفجر، وإذا بالدخان يتصاعد من المرآة في الزاوية، وصوت يشبه زئير وحش يملأ المكان، وظهر شمروش أمامه بوجه أسود كالفحم، تتطاير منه شرارات، وقال:
"ظننت أن التوبة تحمينا منكم، لكنك تتدخل كثيراً... وتُوقظ من وجب عليهم السُبات"
رد الشيخ عبدالله وهو ثابت القلب، دون أن يتزحزح أو يرفع صوته:
"لن أترك من استُضعف للشيطان، والله قال ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾"
ضحك شمروش وقال:
"سأجعلك عبرة لمن يحاربني بالآيات... لقد جعلتني أخسر أرضي... والآن سأجعل جسدك يبرد في قبرك!"
رفع الشيخ يديه، وبدأ يقرأ سورة البقرة بصوت ثابت عميق، وازداد شمروش صراخاً، كأن ناراً تحرقه من الداخل، وقال:
"أصواتكم تخرقنا... لكننا لا نموت"
فقال له الشيخ:
"بل تهلكون، فالله قال ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾"
اختفى شمروش فجأة في دوامة دخانية، تركت وراءها رائحة كبريت نافذة واحتراق، ثم عاد الهدوء.
في اليوم التالي، توجه الشيخ عبدالله وسامي ووليد إلى القرية، حيث كانت المرآة الأخيرة في بيت حسن. دخلوا المنزل، وبدؤوا الصلاة وقراءة القرآن، ثم وقفوا أمام المرآة للمرة الأخيرة. ظهر شمروش بشكل أكبر وأكثر سواداً. قال لهم:
"لن تتخلصوا مني ما دام في الأرض من يضعف إيمانه ويهجر صلاته، فأنا غذائي الشك واليأس والذنوب"
فأجابه الشيخ عبدالله بثقة:
"والله لا يُفلح الظالمون"
ثم أكملوا القراءة، وبدأت الجدران ترتج، والمرآة تتشقق. مع كل آية كان شمروش يضعف ويهتز، ثم اندلعت نيران سوداء في المرآة وابتلعته، لكنها لم تقتله، بل بعثته إلى بعدٍ آخر، وضعفت قوته بشكل كبير، وانكسر الرابط الذي كان يؤذي وليد، والمرأة، وعبيد.
عبيد هو رجل في الأربعين من العمر، من شمال المملكة، أمه متوفية، وقد رآها الشيخ عبدالله ثلاث مرات في منامه، تقول له:
"أنقذ ولدي عبيد من المرآة"
وكان يرى في المنام لوحة طريق كتب عليها اسم أحد أحياء مدينة حائل.
سافر إليه الشيخ بعد التأكد من صدق الرؤيا، فوجد عبيد منعزلاً، تبدو عليه أعراض مشابهة لما مرّ به وليد وهيلة. وبعد تحرٍ، اكتشفوا وجود مرآة صغيرة مهداة من مجهول، كان يضعها عبيد في غرفته منذ شهور. تحصن عبيد بالقرآن، وتم كسر المرآة، فعادت إليه عافيته.
ثم اختفى شمروش من حياة الجميع، لكن الشيخ عبدالله قال:
"لم ينتهِ بعد، سيعود في زمان آخر إن غفل الناس عن دينهم، وتعلقت قلوبهم بالخرافة والشك. ولكن... إلى ذلك الحين، لن يتمكن من أذى من يحتمي بربه.
جميع الحقوق محفوظه
asmoom123@gmail.com



تعليقات
إرسال تعليق